السيد الطباطبائي

343

تفسير الميزان

فقوله : " إنك لن تستطيع معي " الخ إخبار بأنه لا يطيق الطريق الذي يتخذه في تعليمه إن اتبعه لا أنه لا يتحمل العلم . قوله تعالى : " وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " الخبر العلم وهو تمييز والمعنى لا يحيط به خبرك . قوله تعالى : " قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا " وعده الصبر لكن قيده بالمشية فلم يكذب إذ لم يصبر وقوله : ولا أعصي " الخ عطف على " صابرا " لما فيه من معنى الفعل فعدم المعصية الذي وعده أيضا مقيد بالمشية ولم يخلف الوعد إذ لم ينتهي بنهيه عن السؤال . قوله تعالى : " قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا " الظاهر أن " منه " متعلق بقوله : " ذكرا " وإحداث الذكر من الشئ الابتداء به من غير سابقة والمعنى فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ تشاهده من أمري تشق عليك مشاهدته حتى ابتدء أنا بذكر منه ، وفيه إشارة إلى أنه سيشاهد منه أمورا تشق عليه مشاهدتها وهو سيبينها له لكن لا ينبغي لموسى أن يبتدئه بالسؤال والاستخبار بل ينبغي أن يصبر حتى يبتدئه هو بالاخبار . وقد أتى موسى عليه السلام من الخلق والأدب البارع الحري بالمتعلم المستفيد قبال الخضر - على ما تحكيه هذه الآيات - بأمر عجيب وهو كليم الله موسى بن عمران الرسول النبي أحد اولي العزم صاحب التوراة . فكلامه موضوع على التواضع من أوله إلى آخره ، وقد تأدب معه أولا فلم يورد طلبه منه التعليم في صورة الامر بل في صورة الاستفهام هضما لنفسه ، وسمى مصاحبته اتباعا منه له ، ثم لم يورد التعليم في صورة الاشتراط بل قال : على أن تعلمن الخ ثم عد نفسه متعلما ، ثم أعظم قدر علمه إذ جعله منتسبا إلى مبدء غير معلوم لم يعينه باسم أو نعت فقال : " علمت " ولم يقل تعلم ، ثم مدحه بقوله : " رشدا " ثم جعل ما يتعلمه بعض علمه فقال : " مما علمت " ولم يقل : ما علمت ثم رفع قدره إذ جعل ما يشير عليه به أمرا يأمره وعد نفسه لو خالفه فيما يأمر عاصيا ثم لم يسترسل معه بالتصريح بالوعد بل كنى عنه بمثل قوله : " ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا .